هل نحن متوافقان؟
الفصل الأول — الفتاة التي تكره الأبراج
لم تؤمن ليلى يومًا بعلم الأبراج.
ليس لأنها تكرهه، بل لأن كل برج قرأته في حياتها بدا مزيفًا. كلمات عامة مكتوبة لأشخاص وحيدين يبحثون عن معنى وسط نجوم بعيدة.
ومع ذلك… ها هي تقف تحت لافتة نيون مضيئة في منتصف ليلة ممطرة.
“هل نحن متوافقان؟”
كان المقهى يبدو قديمًا مقارنةً بالمدينة المضيئة من حوله. أضواء صفراء دافئة تتسلل من النوافذ الضبابية، بينما تنساب موسيقى جاز هادئة إلى الشارع الفارغ.
كادت ليلى أن تتابع طريقها.
كادت فقط.
لكن الحزن يملك طريقة غريبة لدفع الناس نحو الأشياء التي كانوا يتجاهلونها دائمًا.
قبل ساعات فقط، اكتشفت أن حبيبها الذي استمرت معه ثلاث سنوات كان يخونها منذ أشهر.
لم يكن هناك اعتذار درامي.
ولا تفسير.
فقط… صمت.
وبطريقة ما، كان ذلك الصمت أكثر إيلامًا من الخيانة نفسها.
دفعت باب المقهى ببطء.
رنّ جرس صغير فوق رأسها.
رائحة القهوة والكتب القديمة والقرفة أحاطت بها فورًا. كان المكان هادئًا بشكل مختلف عن فوضى الخارج.
جلس عدد قليل من الزبائن في الداخل. بعضهم يقرأ بصمت، وآخرون يحدقون في بطاقات الأبراج المعلقة على جدار خشبي داكن.
قاطع صوت أفكارها.
— جئتِ بسبب heartbreak… أليس كذلك؟
رفعت ليلى نظرها بسرعة.
كان هناك شاب طويل يقف خلف الطاولة، يرتدي سترة سوداء بأكمام مطوية. شعره داكن، وعيناه هادئتان بشكل مستفز.
— عفوًا؟
— لديكِ تلك النظرة.
— وأي نظرة هذه؟
ابتسم بخفة وهو يجفف كوب قهوة.
— نظرة “وثقت بالشخص الخطأ”.
ضيقت ليلى عينيها.
— هل تقول هذا لكل الزبائن؟
— لا… فقط للذين يقفون أمام جدار العلاقات ويتظاهرون بأنهم لا يهتمون.
التفتت خلفها.
مئات الملاحظات الصغيرة كانت تغطي الجدار.
بعضها رومانسي.
بعضها حزين.
وبعضها يائس بشكل مؤلم.
إحدى الرسائل كتبت:
“كان شريكي المثالي حسب الأبراج… ومع ذلك حطم قلبي.”
وأخرى تقول:
“النجوم حذرتني… لكنني تجاهلتها.”
شعرت ليلى بعدم الارتياح فجأة.
— هذا المكان غريب.
— أكثر الأماكن صدقًا تكون غريبة غالبًا.
اقترب منها ومد يده.
— أنا إلياس.
— ليلى.
لسبب لا تفهمه… شعرت أن مصافحته مألوفة بشكل غريب.
ليست دافئة.
وليست ساحرة.
فقط… مألوفة.
وذلك أخافها أكثر من أي شيء آخر.
—
مرت ساعات دون أن تشعر.
ما بدأ كحديث عابر تحول بطريقة غريبة إلى اعترافات منتصف الليل بين غريبين.
كان إلياس يتحدث عن الناس كما لو كانوا روايات غير مكتملة.
قال وهو يحضر القهوة:
— الجميع يأتون إلى هنا بحثًا عن إجابات.
— وهل يجدونها؟
— أحيانًا.
— وفي بقية الأحيان؟
نظر إليها بهدوء.
— يجدون أسئلة أفضل.
ضحكت ليلى بخفة لأول مرة منذ أيام.
في الخارج استمر المطر بالهطول على النوافذ.
أما الداخل… فكان يبدو منفصلًا عن العالم كله.
سألته أخيرًا:
— هل تؤمن فعلًا أن الأبراج تحدد العلاقات؟
استند إلياس على الطاولة مفكرًا.
— لا.
رمشت بدهشة.
— لكن هذا المكان كله مبني على الأبراج.
— الناس لا يأتون لأنهم يؤمنون بالأبراج… بل لأنهم يريدون الاطمئنان أن الحب مفهوم بطريقة ما.
بقيت تلك الجملة عالقة في ذهنها.
اقتربت فتاة كانت تجلس بالقرب منهم وهي تحمل بطاقة صغيرة.
— هل يمكنك قراءة هذا لي؟
أخذ إلياس البطاقة وقرأها بصمت قبل أن يبتسم.
— أنتِ تعرفين الإجابة مسبقًا.
بدت الفتاة محبطة.
— واضح لهذه الدرجة؟
— لا تحتاجين إلى الأبراج لتعرفي أن شخصًا ما لا يحبك بالطريقة الصحيحة.
هزّت الفتاة رأسها بحزن وغادرت بعد دقائق.
راقبت ليلى الباب وهو يغلق خلفها.
— كان بإمكانك الكذب عليها.
— صحيح.
— لكنك لم تفعل.
هز كتفيه بهدوء.
— الناس يتأذون بما يكفي خارج هذا المكان.
حل الصمت بينهما مجددًا.
صمت مريح.
وذلك أخطر نوع من الصمت.
كرهت ليلى مدى سهولة فهمه للمشاعر.
وكرهت أكثر أنها أرادت منه أن يستمر بالكلام.
قال فجأة:
— تعرفين ما هي مشكلتك؟
عقدت حاجبيها.
— أنت بالكاد تعرفني.
— أعرف ما يكفي.
— إذًا أخبرني.
نظر إليها مباشرة.
— أنتِ تتظاهرين بأنك مستقلة عاطفيًا.
عقدت ذراعيها فورًا.
— أنا مستقلة عاطفيًا.
ابتسم بهدوء.
— لا… أنتِ فقط مرهقة عاطفيًا.
أصابتها الكلمات بقوة.
لأنها كانت صحيحة.
صحيحة بالكامل.
نظرت بعيدًا نحو النافذة المبللة بالمطر.
لسنوات كانت تعطي الناس أجزاءً من قلبها على أمل أن يبقى أحدهم أخيرًا.
لكن لا أحد بقي.
ليس بصدق.
ليس بالكامل.
وربما لهذا السبب دخلت هذا المقهى الليلة.
ليس بسبب الأبراج.
ولا بسبب التوافق.
بل لأن الوحدة تصبح مخيفة حين يأتي بعدها الصمت.
همست:
— أنت تحلل الناس كثيرًا.
ابتسم بخفة.
— وأنتِ تبتعدين عنهم قبل أن يتمكنوا من خذلانك.
التقت أعينهما مجددًا.
وفجأة بدا المقهى صغيرًا جدًا.
هادئًا جدًا.
وشخصيًا أكثر مما ينبغي.
وقفت ليلى بسرعة.
— يجب أن أذهب.
— ما زال المطر يهطل.
— أعلم.
— ستعودين غدًا.
ضحكت بتوتر.
— واثق جدًا؟
هز رأسه.
— لا… فقط ألاحظ جيدًا.
حدقت فيه طويلًا.
ثم غادرت.
ضربها الهواء البارد والمطر فور خروجها.
لكن حتى وهي تبتعد…
لم تستطع التوقف عن التفكير فيه.
في المقهى الغريب.
في الجدار المليء بقصص الحب المحطمة.
وفي السبب الذي جعل شخصًا غريبًا يفهمها خلال ليلة واحدة… أكثر من شخص آخر خلال ثلاث سنوات كاملة.
وخلفها، استمرت لافتة النيون بالتوهج وسط العاصفة.
“هل نحن متوافقان؟”
ولأول مرة في حياتها…
أرادت ليلى معرفة الإجابة.

Thanks for visiting Calm Scripts. Leave your comment below.